من المحتمل أن تكون مسألة إنشاء دولة جديدة، من أعقَد مسائل عالم اليوم، وخاصة من الجانب الذي يتعلق بأن إنشاء هذه الدولة مرهونٌ بالانفصال عن دولة أخرى، فبالتالي، يكون لهذا الأمر التأثير على قوة ومصالح هذه الدولة. فلهذا السبب، إن إنشاء الدولة الجديدة، غالباً ما يواجهها مجموعة من المشاكل المعقدة، وفي بعض الأحيان، يقود هذا الأمر إلى العنف والاقتتال.
ومن الممكن أن يكون بروز هذه الحالة أكثر وضوحا فيما يتعلق بقضية كردستان، أكثر من أي منطقة أخرى بالعالم. ففي حوارٍ له مع إعلام الجامعة، سلَّط م. ئارام، المتخصص في القانون الدولي بفاكلتي القانون والعلوم السياسية والإدارة، الضوءَ على بعض جوانب الدولة الجديدة مع المعايير وخصوصياتها المختلفة. وفي البداية، وحول ما يتعلق بالمبادئ الرئيسة لنشوء الدولة الجديدة، تحدث م. ئارام قائلاً: بالرغم من وجود نقاشات وآراءٍ مختلفة حول نشوء والاعتراف بالدولة الجديدة في منظور القانون الدولي، ولكن بشكلٍ عام، هناك أسس ومبادئ رئيسة لنشوء دولة جديدة، من ذلك، تواجد السكان، وجود الأرض، وجود حكومة. وفي إطار حديثه، أضاف هذا المتخصص في القانون الدولي: إن كثرة وقلة السكان، ليس معياراً للاعتراف بدولةٍ ما، ولكن بالمقابل، يجب أن تتمتع السكان بخصائص مميزة، من حيث الاختلاف في العرق والقومية واللغة والدين والثقافة. وهذا صحيح فيما يتعلق بالأرض أيضاً، لأن هناك من الدول ما تتمتع بمساحة صغيرة جداً، لكنه تم الاعتراف بهذه الدولة من قبل المجتمع الدولي، وذلك كدول مثل: موناكو و سان مارينو و فيجي و سلفادور ونيكاراغواي. والسؤال هنا هو: مع أن الأغلبية الساحقة من شعوب العالم يتمتعون باستقلاليتهم الخاصة إلى جانب هذه المبادئ، لكن لماذا يتواجه هذه المسألة في كل مرة بالتعقيدات وأعمال العنف؟ ففي جواب هذا السؤال، قال هذا المتخصص بفاكلتي القانون والعلوم السياسية و الإدارة: إذا كان في السابق ليس هناك سوى هذه المبادئ كمعيار، وتم أخذ هذه المبادئ بعين الاعتبار في النشوء والاعتراف بالدولة الجديدة، لكن في الوقت الحاضر، على الرغم من توافر هذه المبادئ، هناك مجموعة من مقاييس دولية وإقليمية جديدة التي تأخذ دوراً مهماً في الاعتراف بأي دولة جديدة.
وفي العلاقة مع المعايير الدولية التي تتعلق بالأمم المتحدة واتفاقياتها، قال الأستاذ ئارام
: أعطت الأمم المتحدة الاطمأنان وأكدت على مجموعة من المقاييس الدولية، وذلك وِفق المادة - ٤ - في ميثاق الأمم المتحدة و قرار محكمة العدل الدولية الذي صُدِرَ في ٢٨/٥/١٩٤٨، وجاء فيه: إن كلَّ كيانٍ مستقلٍ يريد أن يصبح عضواً في الأمم والمتحدة ويريد الاعتراف من قبل المجتمع الدولي، يجب أن تتمتع هذا الكيان المستقل بالخصوصيات التالية: يجب أن يكون صاحب السكان والأرض والحكومة العائدة إليه، زائداً، سلميته وبعده عن أعمال الشر، وحل مشاكله عن طريق السلام والابتعاد عن استخدام القوة، والتعهد بتطبيق جميع مواثيق الأمم المتحدة وعدم تجاوزه لحق الاستقلال الذاتي وبناء دولته على مبدأ التمييز العرقي.
فكما ذكرها الأستاذ ئارام، بالرغم من المعايير الدولية، ففي هذا العصر هناك معايير إقليمية أيضاً، حيث تتعلق بمصلحة الدول التي من المتوقع نشوء الدولة الجديدة في منطقتها، حيث لكل منها دور في هذه المسألة. وحول هذه المبادئ، وبالنظر إلى التجربة الأوروبية، قال حضرته:
بعد تفكك يوغوسلافيا والاتحاد السوفيتي السابق واندلاع الحرب وتدهور المنطقة، قرر المجتمع الأوروبي في بعض اتفاقياته على مجموعة من المعايير المهمة للاعتراف بالدول التي تنشأ حديثاً في المنطقة، وذلك مثل اتفاقية سنة ١٩٩١ للدول الأوروبية حول حماية حقوق الأقليات واتفاقية بادينتر حول الحوار الدبلوماسي للإنشاء والاعتراف بالدولة الجديدة في الأوروبا الشرقية ويوغوسلافيا والاتحاد السوفيتي السابق، ولهذا الأمر، توافقوا على هذه المعايير المهمة للاعتراف بالدولة الجديدة التي تولد في هذه المنطقة، مثل: إجراء استفتاء، وجود دستور، احترام حقوق الإنسان و الديمقراطية واحترام الحدود الدولية وعدم انتشار الأسلحة الذرية والحفاظ على السلم والأمن الدوليين.
وفي علاقة ذلك مع إقليم كردستان و خطوات إنشاء دولة مستقلة، يرى هذا المتخصص في القانون الدولي، بأنه من المهم لإقليم كردستان أن يبذل قصارىٰ جهده ويكثر من طاقاته والعمل على جميع المعايير التي أشرنا إليها آنِفاً، وذلك لغرض إنشاء دولة مستقلة وذات سيادة بعيدة عن الأيادي والتدخلات الخارجية.
وأشار أيضاً وقال: من الضروري جداً لإقليم كردستان أن تخطو نحو تطبيق هذه المعايير بأحسن ما يكون، وذلك لأن يظهر ذو تأثير أكثر، وبالأخص التأكيد على : تحقيق الإدارة والحكومة الحقيقية وإنهاء التقصيرات مع خلق التنسيق مع الأطراف كافة وإزالة الشكوك حول العمليات الديمقراطية داخل المجتمع، كالانتخابات، ومحاولة أكثر لاحترام وتطبيق القوانين الدولية بشكلٍ أفضل، مع إجراء استفتاء عامٍ لإنشاء الدولة الجديدة، حيث من المستحسن أن يكون بالاتفاق مع الحكومة المركزية، وإذا لم يقبل الحكومة المركزية الاستفتاء، فيجب أن يكون بتحاكم المؤسسات الدولية، ومن الضروري أيضاً كتابة الدستور الخاص بالإقليم، حيث حتى الآن، لسوء الحظ، لم يكتب الدستور، ويجب أن يتضمن فحوى الدستور، التوافر التام فيما يتعلق بالحفاظ على حقوق الإنسان عامة وحقوق الأقليات والمكونات خاصة، مع حسم وتحديد الحدود بين إقليم كردستان والعراق، ومن المهم جداً، أن يكون ذلك بتحكيم الجانب الدولي. المعلومات الشخصية: مامۆستا ئارام محمد نەبی وەسانی، حاصل على بكالوريوس في جامعة صلاح الدين، سنة ٢٠٠٦-٢٠٠٧، والماجستير في قسم السياسة العالمية والقانون في كلية العلوم الإنسانية بجامعة شيفلد، سنة 2014 في بريطانيا، والآن هو طالب دكتوراه في جامعة سوران، ومدرس في العلاقات الدولية.