د. إبراهيم ملا زاده: إن انكسار هيبة الحركة السياسية الفلسطينية، وهزيمة الجبهة السنية في مقابِل الجبهة الشيعية بقيادة إيران، كانا السببين الرئيسين وراء هذه الاتفاقيات

Dr Ibrahim

 

 أصبحت الاتفاقيات الأخيرة بين كلٍ إسرائيل والبلدان العربية - الإمارات والبحرين - مرة أخرى، هي الحدث السياسي الأبرز في الشرق الأوسط. وبالنظر إلى النزاع العربي الإسرائيلي، والصراع التأريخي الطويل بينهما، باتت المسألة أكثر سخونة، وخاصة من الجانب الذي جعل الاتفاق مع إسرائيل ككبوة سياسية.

ولإلقاء الضوء على أبعاد هذا الاتفاق السياسي، أجرينا لقاءً مع السيد د. إبراهم صادق ملازاده، الاستاذ في قسم الاجتماع بفاكلتي الآداب. ففي بداية اللقاء وحول هذه المناورة الإسرائيلية، قال د. ملا زاده: استطاعت إسرائيل بصبره ومثابرته كسر الجدران العربية الثلاث، وهي: لا صلحَ ولا تفاوض ولا اعتراف بإسرائيل، حيث تم الإعلان عنها في قمة الخرطوم، سنة ١٩٦٧، وتمكنت من الولوج إلى داخل صفوف البلدان العربية. وحول أسباب هزيمة الحاجز العدواني و - لا - ءات العرب، قال حضرته: يمكننا ترجيح ذلك إلى هدفين رئيسين، الأول عبارة عن انكسار هيبة الحركة السياسية الفلسطينية، وذلك بعدة أسبابٍ منها:

١- بعد أن أيد ياسر عرفات، رئيس حركة فتح، دكتاتور بغداد بعد احتلال الكويت، أدى ذلك التأيد إلى ردة فعل قوية من الكويتيين تجاهَ الفلسطينيين، هذا بالرغم من أن دولة الكويت، أوقفت جميع مساعداتها لمنظمة فتح وسائر الفلسطينيين، وأبدى فرع منظمة إخوان الكويت براءتهم من حركة حماس الفلسطينية وحتى من إخوان مصر، فبالتالي، شهِدت القضية الفلسطينية تراجعاً واضحاً.

٢- إن السلطة الفلسطينية التي كانت تتمتع بالنفوذ على أكثرية المناطق الفلسطينية في الضفة الغربية وقطاع غزة، لم تستطع بدورها أن تُقدم مثالاً جميلاً في الإدارة والسياسة في إطار مشروعٍ ديمقراطي، وأن يمنع الفساد والفوضى الإدارية.

٣- في سنة ٢٠٠٦، استطاعت حركة حماس في أول عملية انتخابية، وعن طريق خطابٍ مشحون بالحماسة أن تستولي على أغلبية مقاعد المجلس الوطني الفلسطيني، لكن سرعان ما فشلت العملية السياسية وحدثت الحرب الأهلية، فبعد اقتتال كثير وأضرار مادية كبيرة، أصبحت السلطة الفلسطينية و لحد الآن، منقسمة إلى قسمين اثنين.

٤- قبل أن يتم وضع حماس في قائمة المنظمات الإرهابية، قامت الحركة هذه بتنفيذ العشرات من العمليات الفاشلة، حيث بقدر ما كانت هذه العمليات في صالح إسرائيل، لم تكن معشارها في صالح الفلسطينيين وقضيتهم. فلو قاموا بقتل جندي إسرائيلي، فإن إسرائيل قامت بتصفية العشرات من عناصر حماس، وفي كثير من الأحيان، إن المدنيين هم من أصبحوا الضحية. لذا، كان السؤال المُراود في أذهان المراقبين دائماً: ما الذي كانت حماس تريده وراء هذه العمليات الفاشلة؟

٥- ومن النقاط الأخرى التي أشار إليها د. ملازاده، الاستاذ في قسم الاجتماع، فإنها هي هزيمة الجبهة السنية في مقابل الجبهة الشيعية بقيادة إيران، وفي منظور حضرته، فإن انعكاس ذلك يكمن في ثلاث نقاطٍ، وهي:

١- حدوث انتفاضة شيعة العراق، بعد خسارة العراق في حرب إيران، حيث كانت العراق ضد تصدير الثورة الإيرانية، فاستطاعت الجمهورية الإسلامية بقوة هائلة أن تدخل تدريجياً إلى البلدان العربية الإقليمية، منها لبنان وسورية واليمن والبحرين، حيث تعيش أقلية شيعية في هذه الدول، وبعد سقوط النظام العراقي، استطاعت أن تنشر نفوذها بقوة في الساحة العراقية، فبهذه الصورة، تمكن الحزام الشيعي أن يثبت وجوده بقوة على أحداث الشرق الأوسط، والتي تمتد من إيران إلى العراق، ومنها إلى سوريا، وصولاً إلى لبنان، وفي هذا الميدان، استطاع حزب الله اللبناني بسط نفوذه على المؤسسات اللبنانية، وان يخلق نوعاً من الخطاب في مواجهة إسرائيل، وظهرت مصطلح - دول الممانعة أو دول الطوق -، بمعنى دول ضد السلام مع إسرائيل أو دول حصار إسرائيل، فحتى هذه اللحظة، فإن إيران تدعم حزب الله اللبناني مادياً ومعنوياً.

٢- هزيمة جماعة الإخوان في مصر: بعد أن تنامى النفوذ الإيراني في المنطقة، وهزيمة سلطة الإخوان في مصر سنة ٢٠١٣، تم وضع إخوان مصر مباشرة في قائمة الإرهاب من قبل دول الخليج العربي ما عدا دولة قطر، وفتحت كل من تركيا وقطر أبوابهما أمام الإخوان، فتسبب هذا الحدث بانفكاك الجبهة السنية مقابل الجبهة الشيعية بقيادة إيران، وشهدت العلاقة بين إيران وتركيا تغييراً كبيراً، وأصبحت قطر أمام حصار دول الخليج، وخوفاً من مهاجمة قطر من قبل دول الخليج، نشرت تركيا أكثر من ٥ آلاف جندي في قطر، وفي نتيجة هذه المساندة التركية لمنظمة الإخوان وبعدها دولة قطر، تفككت هذه الجبهة برُمتها. والنقطة الأخيرة التي تحدث عنها د. ملازاده، هي استلاء الحوثيين على العاصمة اليمنية صنعاء. ففي نظرة حضرته، بعد أن استطاع الحوثيون - وهم مكون على المذهب الشيعي في إطار حركة أنصار الله - خلع عبد ربه منصور هادي من السلطة والاستلاء على العاصمة اليمنية، دقت ناقوس الخطر على البلدان الخليجية بشدة، وتمكنت إيران من الوصول إلى الحدود السعودية. وكانت هذه الحادثة مأساوية بالنسبة للسعودية، لهذا قاموا بإنشاء جبهة التحالف العربي ضد الحوثيين وإيران، تحت مسمى التحالف العربي، حيث شارك اليمنيون برئاسة الرئيس اليمني المخلوع في هذا التحالف، يُذكر أن الحرب هذه، متواصلة لحد هذه اللحظة. واستنتج د. ملازاده في النهاية بهذا الشكل: بهذه الأحداث، انهزمت الجبهة السنية وبلغ الخوف من تدهور المعادلة الإقليمية أوجه. وبالرغم من أن إيران تواجه الآن العقوبات الأمريكية، لكن النفوذ الإيراني في لبنان وسوريا والعراق من جانب، وصداقة إيران وتركيا وروسيا من جانب آخر، اظطر البلدان الخليجية من إجراء تدابير أخرى والتفكير في مستقبل المنطقة. وصحيح أن هذه الدول تقع ضمن النفوذ الأمريكي، والجانب الأمريكي نفسه هو من يريد البدء بعملية السلام بين العرب وإسرائيل، لكن من ناحيةٍ أخرى، إن النفوذ الأمريكي نفسه في المنطقة تتراجع.